زكريا القزويني

247

آثار البلاد واخبار العباد

فيه ، ونار هذا البيت لا تطفأ أبدا . ولها خدم يتناوبون في إشعال النار ، يقعد الموسوم مع الخدمة على بعد النار عشرين ذراعا ويغطي فمه وأنفاسه ، ويأخذ بكلبتين من فضّة عودا من الطرفاء نحو الشبر يقلبه في النار . وكلّما همّت النار بالخبوّ يلقي خشبة خشبة ، وهذا البيت من أعظم بيوت النار عند المجوس . كرمان ناحية مشهورة ، شرقها مكران وغربها فارس وشمالها خراسان وجنوبها بحر فارس . تنسب إلى كرمان بن فارس بن طهمورث . وهي بلاد واسعة الخيرات وافرة الغلّات من النخل والزرع والمواشي . وبها ثمرات الصرود والجروم والجوز والنخل . وبها معدن التوتيا ، يحمل منها إلى جميع الدنيا ، بها خشب لا تحرقه النار ولو ترك فيها أيّاما ، ينبت في بعض جبالها ، يأخذه الطرقيّون ويقولون : انّه من الخشب الذي صلب عليه المسيح . وشجر القطن بكرمان يبقى سنين حتى يصير مثل الأشجار الباسقة ، وكذلك شجر الباذنجان والشاهسفرم . وبها شجر يسمّى كادي ، من شمّه رعف ، ورقه كورق الصبر إن ألقي في النار لا يحترق . ومن عجائب الدنيا أرض بين كرمان وجاريح إذا احتكّ بعض أحجارها بالبعض يأتي مطر عظيم ، وهذا شيء مشهور عندهم ، حتى أن من اجتاز بها يتنكّب عنها كيلا تحتكّ تلك الحجارة بعضها ببعض فيأتي مطر يهلك الناس والدواب ! وبها معدن الزاج الذهبي يحمل من كرمان إلى سائر الآفاق . وحكى ابن الفقيه أن بعض الملوك غضب على جمع من الفلاسفة ، فنفاهم إلى أرض كرمان لأنّها كانت أرضا يابسة بيضاء ، لا يخرج ماؤها إلّا من خمسين ذراعا . فهندسوا حتى أخرجوا الماء على وجه الأرض وزرعوا عليه وغرسوا فصارت كرمان أحسن بلاد اللّه ، ذات شجر وزرع . فلمّا عرف